الأكاديمية والكشف عن الحقائق وتصحيح المفاهيم

رزان السعافين-2020

تجول في خاطري الكثير من الأفكار، وتتزاحم العبارات لتتربع على عرش هذه السطور، التي  تعكس واقعا عشته وخضت تجربته عبر منبر حقيقي للدراسات الفلسطينية.

علّني أقول شيئًا عانيت منه منذ مرحلة الابتدائية مرورًا بالجامعيّة وكذلك الدراسات العليا، وهو البحث عن معرفة كل ما يدور حول القضية الفلسطينية بشكل نظاميّ مليء بالشغف والمعرفة والبحث عن الحقائق بين دفاف الكتب والمراجع.

في واقع الحال، درسنا مادة تسمى "التربية الوطنية"، والتي تشرح في موجزها أفكارًا عن التراث الفلسطيني وتاريخه وآثاره وغير ذلك من المفاهيم المعبّرة عن الحسّ الوطني الفلسطيني، لكن أن نتعمق في مكنونات جوهر كل ما يتعلق بفلسطين وقضاياها الحافلة؛ هو ما وجدت ضالتي المنشودة به حينما درست في أكاديمية دراسات اللاجئين.

رغم التضييق العالمي، والتسييس المحلي للمناهج الفلسطينية على مستوى المدراس والمعاهد والجامعات، استطاعت الأكاديمية أن تحلّق فوق القمم لتنثر من المعارف الفلسطينية فوق رؤوس الطامحين، لتتحوّل تلك المعارف تيجانًا على الرؤوس من لآلئ العلم والنور، ليتخرجوا حاملين رسالة العلم وأمانة الكلمة، بعدما اكتشفوا حقائق لم يعهدوها، وتصحّحت لديهم مفاهيم كانت مغلوطة مسبقًا.

سأروي تاليًا بعض الحقائق بشكل عام التي كشفتها لنا الاستنارة المعرفية أثناء دراستنا لدبلوم دراسات اللاجئين والتي غاب عنها الإعلام، وكذلك المنشورات العلميّة بشكل سلس ومباشر قريب من الأذهان والنفوس.

إن الإعلام الفلسطيني وكذلك العربي الغائب وليس بحاضر عن تفاصيل مهمة عن واقع مخيمات اللاجئين مثلاً في البلدان العربية الشقيقة، كشف لنا حقيقتها سلسلة محاضرات لا تقل عن 12 ساعة عن محور اللاجئين في كلّ من الضفة الغربية وقطاع غزة، ولبنان، وسوريا، وكذلك الأردن.
كانت بالنسبة لنا المعلومات التي نهلناها بالتفاصيل حول أحوال إخوتنا اللاجئين في المخيمات وكأننا تجولنا داخل الأزقة والحارات، وعرفناهم عن قرب، وسألنا عن أحوالهم، وبصدد أن ننقل ما تعلمناه في الفضاء الرقمي وكذلك الإعلامي؛ لأن حق الفلسطيني المهضوم منذ النكبة لا زال يقبع داخل جدران زنازين بعض أماكن اللجوء.

وأصبحت قلوبنا الآن مع حارات لبنان وأزقّة مخيماتها وبعض مخيمات الضفة الغربية التي لا زالت حتى اللحظة أعيش لقطاتها في ذاكرتي الدراسية، والتي تحولت لذاكرة إنسانية تحمل في همومها إنسانًا ليس له حق في بناء بيت، أو الحصول على الوفرة الكاملة من الكهرباء والماء وأدنى مطالب الحياة والتي تُعتبر حقوقًا. فكيف ينام ويصحو إنسان لاجئ وقد أصبحت متطلباته حقوقًا يناشد بها العالم ظلمًا وتظلمًا، ولهذا وجب عليها أن نسعى لاثبات تلك المفاهيم والحقائق عبر البحث العلمي، والإنتاج الإعلامي، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

وهذه حقيقة كشفتها لنا الدراسات في أروقة الأكاديمية الافتراضية، حيث يعلم تلك الحقائق المجتمع الدولي الذي يتغنى بدوره تجاه اللاجئين الذين لا زالوا يتجرعون مرارة حق العيش الكريم، ولا من مجيب!

ومن محور آخر، تطرّقنا في محطات دراستنا حول الكفاح المسلح وتاريخ المقاومة التي وإن فشلت كل وسائل المقاومة الأخرى إعلاميًّا أو فنيًّا في مراحل النضال الفلسطيني، إلا أن الكفاح المسلح في كواليس عمله أثبت ما لم نتوقعه من همم الفدائيين وتضحياتهم منذ أيام الانتداب البريطاني، حيث الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية الحالية ما هي إلا وليدة حركات التحرر أو انتقلت بشكل تراكمي حاليا، وأن رجالات العمل الفدائي يسطرون أسمى التضحيات ويصبحون أعلامًا يتغنى بها أبناء العالم في تاريخ هذا النضال المخضّب بالدماء.

ولعلّ أبرز ما تطرقت إليه الدراسات حول نضال الشيخ عز الدين القسام، الذي لم يكن يضم إلى قوافل الجهاد سوى من أراد ذلك تطوعا مشتريًا سلاحه من ذاته، دون تكليف شرطي؛ لأنه يعلم أن الكفاح منبعه رضا الذات، وأثبت الكثير في زمنه أن طريق الفداء هو دفاع عن الأرض المغتصبة، ودفاع عن حرمة ديار الفلسطينيين إذ كان يجتاحها جنود الانتداب البريطاني وبعض اليهود القادمين من الهجرات السرية، وهذا أبرز ما تركه خلفه إلى حين أن استشهد في أحراش يعبد في جنين عام 1935م.

ومن أشد ما كشف لنا من حقيقة، هو واقع إخوتنا العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وما يعانوه من "الأبارتهايد" من سياسة الفصل العنصري منذ حرب النكبة عام 1948م، ولعل الإعلام تحدث عن هذا الجانب نسبيا، فضلا عن أن حملات مقاطعة الاحتلال ومناهضة "الأبارتهايد" أبرزت ذلك بشكل ما، لكن ما تصحح لنا من مفاهيم كان حول الأعداد ما قبل وبعد النكبة، وعن الحقوق اليومية والمعاناة اللحظية للعرب هناك، وكان أيضا عن منحهم الجنسية "الإسرائيلية" لكن دون حق كامل كمواطن داخل دولتهم المزعومة، فلا زالت العنصرية تتفشى أوصالها ولن يتمكنوا من أخذ حقوقهم كاملةً إلا بعد تحرير فلسطين بإذن الله.

ومهما تعدّدت المفاهيم التي تغلغلت وتربعت في أذهاننا حول كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية فلن تكفي آلاف المقالات للحديث عنها بالتفاصيل الدقيق من 100 ساعة دراسية لعام دراسي كامل ابرز لنا العديد من المحطات التاريخية، ومفاوضات أوسلو، وبنية وتشكيل دولة الاحتلال، وقضايا الجدار، والاستيطان، والعزل، والأسرى، وتصدير القضية في الأدب الفلسطيني والإعلام الرقمي المحلي والعالمي، وقضية القدس التي هي محور قضيتنا الكونية على هذه الأرض.

ولعل أبرز ما جعلنا نكتشف الكثير من الحقائق هو الجانب العملي المميز الذي تركز عليه منهجية الدراسة، متضمنا البحث العلمي المطلوب للتخرج، وتقديم خدمة مجتمعية متعلقة بالقضية الفلسطينية، وكذلك مشاهدة عشرات التصاميم والفيديوهات التفاعلية وإنتاجها، والاطلاع على المراجع والكتب في محاولات مثمرة من الدارسين لزرع مفاهيم القضية في كل حقل وميدان سواء كان الكترونيا أو على أرض الواقع، وهذا ليس من الدارسين الفلسطينيين فقط، بل من الأشقاء العرب في كل بلاد العالم.

الشمس لا تغطى بغربال، وقضيتنا واضحة كالشمس في وضح النهار، ولو كل العالم كان مغيّبًا بشكل جزئي، فإن الدور الذي قامت به أكاديمية دراسات اللاجئين أثرى التوجهات، ونظم الدراسة في قالب منهجي مدروس بعناية فائقة يراعي مختلف المستويات التعليمية والثقافية والفكرية، يقوم عليه نخب المفكرين والمثقفين وحملة الدراسات العليا والأكاديميين والباحثين لإيصال كلمة الحق، فنتج بأن كشف لنا حقائق وأظهر لنا من متن المعرفة ما نصحبه لنعيد صياغته في مختلف المحافل لقادم الأيام وفقا لأنشطتنا المجتمعية أو أقلامنا الهادفة، أو إنتاجنا الإعلامي ومشوار أبحاثنا حول قضيتنا المسكونة قلبًا، والمعروفة قالبًا لدينا بعد هذه الرحلة الدراسية الممتعة.

 

رابط مختصر : http://refugeeacademy.org/post/50

جديد الأخبار